ابن أبي الحديد
60
شرح نهج البلاغة
ولا حبر المثنون في القول مدحة * وإن أطنبوا إلا وما فيك أفضل * * * ومن مستحسن ما وقفت عليه من تعظيم الباري عز جلاله بلفظ ( 1 ) " الحمد " قول بعض الفضلاء في خطبة أرجوزة علمية : الحمد لله بقدر الله * لا قدر وسع العبد ذي التناهي والحمد لله الذي برهانه * أن ليس شأن ليس فيه شانه والحمد لله الذي من ينكره * فإنما ينكر من يصوره وأما قوله " الذي لا يدركه " ، فيريد أن همم النظار وأصحاب الفكر وإن علت وبعدت فإنها لا تدركه تعالى ، ولا تحيط به . وهذا حق لان كل متصور فلا بد أن يكون محسوسا ، أو متخيلا ، أو موجودا من فطرة النفس ، والاستقراء يشهد بذلك . مثال المحسوس السواد والحموضة ، مثال المتخيل إنسان يطير ، أو بحر من دم ، مثال الموجود من فطرة النفس تصور الألم واللذة . ولما كان الباري سبحانه خارجا عن هذا أجمع ( 2 ) لم يكن متصورا . فأما قوله : " الذي ليس لصفته حد محدود " فإنه يعني بصفته هاهنا كنهه وحقيقته يقول : ليس لكنهه حد فيعرف بذلك الحد قياسا على الأشياء المحدودة ، لأنه ليس بمركب ، وكل محدود مركب . ثم قال : " ولا نعت موجود " أي ( 3 ) ولا يدرك بالرسم ، كما تدرك الأشياء برسومها ، وهو أن تعرف بلازم من لوازمها ، وصفة من صفاتها . ثم قال : " ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود " ، فيه إشارة إلى الرد على من قال : إنا
--> ( 1 ) أ : " بلفظة " . ( 2 ) ب : " جميعا " . ( 3 ) ب : " لا يدرك " ، من غير واو .